محمد متولي الشعراوي
2872
تفسير الشعراوى
مصدر الشرف للإنسان أن يحس ويشعر بتجلى اللّه عليه بعبوديته له ، وسبحانه عندما أراد أن يتجلى على نبينا الخاتم صلّى اللّه عليه وسلّم ويسرى به إلى المسجد الأقصى ؛ قال : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ( من الآية 1 سورة الإسراء ) ولم يقل : « سبحان الذي أسرى برسوله » ولكنه قال : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ » ؛ لأن « العبودية » عطاء علوي من اللّه ، فكأن سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم عندما تناهى في العبودية للّه نال تناهى الخير ، فمن إذن يستنكف أن يكون عبدا للّه ؟ لا يستنكف المسيح ذلك ، وكذلك الملائكة لا تستنكف أن تكون عبيدا للّه . « ولا الملائكة المقربون » ويسمون ذلك ارتقاء في النفي ، مثلما يقول فلاح : لا يستطيع شيخ الخفر أن يقف أمامى ولا العمدة . إذن فالملائكة في الخلق أحسن من البشر . ولذلك قال الحق : « لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ » وقال بعض العلماء : إن خواص البشر أفضل من خواص الملائكة ، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر والأصل في اللغات أن توضع الألفاظ أولا لمحسّات ، ثم تنتقل من المحسّات إلى المعنويات ؛ لأن إلف الإنسان في أول تكوين المدركات له إنما يكون بالحسّ ، كما قال الحق : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) ( سورة النحل ) إذن ما دام سبحانه قد قال : « لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً » فالذي يأتي من بعدها إنما يأتي كوسيلة للعلم ، وهي حواس السمع والإبصار والقدرة على تكوين الخبرة . ومثال ذلك عندما ندرس في الفقه موضوع الغصب . والغصب هو أن يأخذ أحد حق غيره قهرا وعلانية ، وهو غير السرقة التي يأخذها السارق خفية . وغير الخطف ؛ لأن الخطف هو أن تمتد يد لتشد شيئا من أمام صاحبه ويجرى الخاطف بعيدا ، أما الغصب فهو الأخذ عنوة .